دانلود جدید ترین فیلمها و سریالهای روز دنیا در سایت 98Movies. اگر در جستجوی یک سایت عالی برای دانلود فیلم هستید به این آدرس مراجعه کنید. این سایت همچنین آرشیو کاملی از فیلمهای دوبله به فارسی دارد. بنابراین برای دانلود فیلم دوبله فارسی بدون سانسور نیز می توانید به این سایت مراجعه کنید. در این سایت امکان پخش آنلاین فیلم و سریال همراه با زیرنویس و فیلمهای دوبله شده به صورت دوزبانه فراهم شده است. بنابراین برای اولین بار در ایران شما می توانید فیلمهای دوبله شده را در تلویزیونهای هوشمند خود به صورت دوزبانه و آنلاین مشاهده نمایید.
التاريخ : 2026-10-26

القهيوي يكتب : الكرك حين أوجعت قلب الأردن

بقلم الدكتور ليث عبدالله القهيوي

لم تكن الكرك بحاجة إلى مأساة كي نعرف أنها تسكن قلب الأردن، ولم يكن الأردنيون بحاجة إلى دماء الأبرياء كي يكتشفوا أن ما يجمعهم أعمق من اختلافاتهم. لكن حين تمتد يد الإرهاب إلى أناس اجتمعوا لوداع أحد أحبتهم، وتتحول لحظة الرحمة والسكينة إلى فاجعة، فإن الجرح لا يصيب عائلات الضحايا وحدها، بل يطال الضمير الوطني كله. وما جرى في كنيسة القديس جاورجيوس في حمود ليس خبرًا ينتهي بانتهاء نشراته، بل وجع إنساني ثقيل، وحدث يستدعي قراءة أعمق لما نريد حمايته في الأردن، ولما ينبغي أن نستعد له في مستقبل تتغير فيه طبيعة المخاطر وحدودها.


في الكرك، لم يكن الضحايا غرباء عن أحد. كانوا أبناء أرض وتاريخ وذاكرة مشتركة، لهم أحلام لم تكتمل، وبيوت لن تعود كما كانت، وأحبة سيظل غيابهم أكبر من قدرة الكلمات على المواساة. وحين نفقد أردنيًا، فإننا لا نفقد فردًا من مكوّن اجتماعي أو ديني، بل نفقد جزءًا من أنفسنا. فالمسيحي الأردني ليس ضيفًا على وطنه، ولا يحتاج إلى شهادة قبول من أحد؛ إنه شريك أصيل في تاريخه وهويته ومصيره. وهذه ليست عبارة للتضامن في ساعة الحزن، بل حقيقة وطنية لا يجوز أن تصبح موضع مساومة أو اختبار.
غير أن الوفاء للضحايا يفرض علينا ألا نختزل الفاجعة في مشاعر الإدانة، مهما كانت صادقة. فالإرهاب، في دلالاته الأوسع، لا يستهدف الإنسان وحده، بل يحاول ضرب شعوره بالأمان وثقته بمجتمعه، وتحويل الاختلاف إلى خوف، والخوف إلى عزلة، والعزلة إلى شرخ في النسيج الوطني. ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الجريمة هو أن تنجح في إنتاج آثار تتجاوز ضحاياها، أو أن تدفع المجتمع إلى الشك في ذاته، بدل أن تدفعه إلى مراجعة أسباب قوته ومواطن تعرضه للمخاطر.
إن قراءة ما حدث تستدعي التمييز بين ثلاثة مستويات: جريمة تستوجب كشف مرتكبيها ومحاسبتهم، وبيئة فكرية متطرفة تستوجب المواجهة والوقاية، ومشهد إقليمي مضطرب يستوجب اليقظة والاستشراف. ولا يجوز الخلط بينها، أو افتراض ارتباطات تنظيمية وإقليمية لم تثبتها التحقيقات. فالتحليل الاستراتيجي الرصين لا يقوم على تضخيم الاحتمالات، وإنما على فهمها والاستعداد لها دون تحويلها إلى حقائق مسبقة.
لقد أصبح التطرف العنيف تحديًا يتجاوز الصورة التقليدية للتنظيمات ذات الهياكل الواضحة. فهناك مخاطر تتصل بالتطرف الفردي، والتحريض الرقمي، والشبكات العابرة للحدود، واحتمالات وجود خلايا نائمة أو أفراد يتبنون الفكر التكفيري دون ارتباط تنظيمي ظاهر. وهذه احتمالات ينبغي أن تبقى ضمن التقييم الأمني والاستراتيجي المستمر، لا أن تستخدم لتفسير جريمة بعينها قبل اكتمال الأدلة. فالمطلوب ليس إثارة الخوف من عدو مجهول، بل تطوير القدرة الوطنية على فهم أنماط التهديد المتغيرة، والتمييز بين المؤشرات الحقيقية والتصورات التي تصنعها الصدمة.
وعلى المستوى الإقليمي، لا يمكن فصل التفكير في أمن الأردن المستقبلي عن بيئة تتداخل فيها الصراعات والتحولات السياسية والأزمات الممتدة، وتزداد فيها قدرة الأفكار المتطرفة على عبور الحدود عبر الفضاء الرقمي. وليس كل اضطراب إقليمي مصدرًا مباشرًا لتهديد داخلي، لكن تجاهل احتمالات انتقال التحريض أو إعادة تشكل الشبكات المتطرفة سيكون قصورًا في التخطيط الاستباقي. ومن هنا تبرز أهمية أن يمتلك الأردن قراءة متجددة لمخاطر الإقليم، تربط بين المتغيرات السياسية والأمنية والاجتماعية، وتتعامل مع المستقبل بوصفه مجالًا للاستعداد لا انتظار المفاجآت.
أما الفكر التكفيري، فهو أخطر من مجرد خطاب متشدد؛ لأنه يبدأ بإلغاء شرعية الاختلاف، ثم ينزع عن الآخر حقه في الانتماء، وقد ينتهي بتبرير الاعتداء على حياته. ولذلك فإن مواجهته ليست مواجهة أمنية فقط، بل معركة وعي وقيم ومؤسسات. فالمدرسة التي تعلّم احترام الإنسان، والجامعة التي تحمي التفكير النقدي، والمؤسسة الدينية التي تواجه تحريف المفاهيم، والإعلام الذي يرفض التحريض، جميعها تشكل خطوط وقاية مجتمعية لا تقل أهمية عن القدرة على التعامل مع التهديد المباشر.
لكن المواجهة الفكرية لا تكون فعالة إذا تحولت إلى شعارات عامة أو برامج شكلية. نحن بحاجة إلى سياسات تقيس أثرها، لا عدد أنشطتها؛ وإلى تعليم يعزز المواطنة المتساوية، لا يكتفي بترديد مفرداتها؛ وإلى خطاب ديني وثقافي قادر على مخاطبة أسئلة الشباب وتحدياتهم المعاصرة، لا مجرد إدانة النتائج بعد وقوعها. فالمناعة الوطنية لا تبنى بالخوف من الأفكار وحده، بل ببناء قدرة المجتمع على كشف زيفها ورفض العنف الذي تبرره.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة ومؤسساتها في تطوير مفهوم الأمن الوطني الشامل. فالكفاءة الأمنية ضرورة لا غنى عنها، لكنها تصبح أكثر استدامة حين تتكامل مع العدالة وسيادة القانون والثقة العامة والسياسات الوقائية. والأمن الوطني ليس مجرد قدرة على مواجهة الخطر حين يظهر، بل قدرة على قراءة تحولاته، وتقليل فرص وقوعه، واحتواء آثاره، والتعلم المؤسسي منه. ولا ينبغي أن تفهم الدعوة إلى المراجعة باعتبارها حكمًا مسبقًا بوجود تقصير، بل باعتبارها التزامًا طبيعيًا لأي منظومة تسعى إلى تعزيز جاهزيتها.
وفي هذا الإطار، يصبح استشراف المستقبل ضرورة عملية. فهناك مسار يمكن فيه احتواء آثار الجريمة وتعزيز التماسك المجتمعي وتحويل الدروس إلى سياسات وقائية. وهناك مسار آخر قد تستمر فيه مظاهر التحريض والتطرف بصورة متفرقة، بما يفرض مراجعة أدوات الوقاية والتواصل المجتمعي. أما المسار الأكثر تعقيدًا، فيتمثل في احتمال تداخل ضغوط إقليمية مع أشكال متغيرة من التطرف، بما يستدعي جاهزية مؤسسية ومجتمعية أوسع. وهذه ليست تنبؤات بما سيحدث، بل سيناريوهات تساعد على التفكير المسؤول فيما يجب الاستعداد له.
ولكي يتحول هذا التفكير إلى عمل، فإن الأردن بحاجة إلى مؤشرات وطنية واضحة تقيس فاعلية الوقاية من التطرف، وانتشار التحريض على العنف، ومستويات الثقة المجتمعية، وأثر برامج المواطنة، وكفاءة الاستجابة للأزمات، ومدى تنفيذ الدروس المستخلصة منها. فالقيمة الحقيقية للاستشراف ليست في توقع كل خطر، وهو أمر غير ممكن، بل في بناء مؤسسات ومجتمع أكثر قدرة على التكيف حين تتغير الظروف.
وفي قلب ذلك كله تبقى الوحدة الوطنية مسؤولية يومية، لا مناسبة خطابية. إنها لا تعني إنكار الاختلاف، بل ضمان ألا يتحول الاختلاف إلى تمييز أو خوف أو إقصاء. ولا تعني أن نصمت عن الأسئلة الصعبة حفاظًا على صورة التماسك، بل أن نناقشها بثقة ومسؤولية، وأن نؤكد أن حماية حرية المعتقد وكرامة الإنسان والمواطنة المتساوية هي من صميم حماية الأردن نفسه.
ومع كل هذا التحليل، يجب ألا نبتعد عن الحقيقة الأولى: هناك عائلات أردنية مكلومة، وأمهات وآباء وأبناء يواجهون غيابًا لا تعوضه الكلمات. وهؤلاء لا يحتاجون إلى أن تتحول مأساتهم إلى مادة للتنافس في الخطاب الوطني، بل إلى عدالة تنصفهم، ورعاية تساندهم، وذاكرة عامة لا تنساهم عندما تنصرف الأنظار إلى حدث آخر. فالمعيار الأخلاقي الأصدق لأي استجابة وطنية هو أن يبقى الإنسان في مركزها، قبل الحسابات والتحليلات والعناوين.
لقد أصابت الجريمة الكرك، لكنها لم تجعل وجعها شأنًا يخص الكرك وحدها. فالأردن الذي نعرفه لم تصنعه وحدة التشابه، بل وحدة المصير، ولم تتشكل هويته بإلغاء تنوعه، بل بتاريخ طويل من الشراكة والانتماء. وهذه الحقيقة تستحق اليوم أكثر من كلمات تؤكدها؛ تستحق سياسات تحميها، ومؤسسات تصونها، وأجيالًا تؤمن بها وتدافع عنها بالوعي والقانون واحترام الحياة.
رحم الله شهداء الكرك، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وشفى المصابين، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء.
إن الوفاء للكرك لا يقاس بمقدار الحزن الذي نعلنه اليوم، بل بمقدار المسؤولية التي نحملها غدًا. فالأوطان لا تنتصر على الإرهاب بمجرد مواجهة مرتكبيه، وإنما أيضًا بحرمان أفكاره من القدرة على تمزيق المجتمع، وبحماية الإنسان قبل أن يصبح ضحية، وبصون الثقة التي تجعل أبناء الوطن الواحد يشعرون أن مصير أحدهم مسؤولية الجميع.
لقد أوجعت الكرك قلب الأردن، لكن الجرح الأكبر سيكون إن مرت الفاجعة دون أن تترك في وعينا وسياساتنا قدرة أكبر على حماية الحياة. فليس أعظم ما نقدمه لأرواح من فقدناهم أن نقول إننا وطن واحد، بل أن نجعل من هذه الحقيقة ضمانة لا تهزها الكراهية، ولا يبددها الخوف، ولا ينتقص منها اختلاف.


عدد المشاهدات : ( 203 )
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الرأي نيوز' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .